فصل: فصل كَيْفِيَّةِ فَرْضِهِ

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع ***


فصل رُكْن الاعتكاف وَمَحْظُورَاتِهِ وما يُفْسِدُهُ وما لَا يُفْسِدُهُ

وَأَمَّا رُكْنُ الاعتكاف وَمَحْظُورَاتِهِ وما يُفْسِدُهُ وما لَا يُفْسِدُهُ فَرُكْنُ الاعتكاف هو اللُّبْثُ وَالْإِقَامَةُ يُقَالُ اعْتَكَفَ وَعَكَفَ أَيْ أَقَامَ وقال اللَّهُ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏قالوا لَنْ نَبْرَحَ عليه عَاكِفِينَ‏}‏ أَيْ لَنْ نَزَالَ عليه مُقِيمِينَ وَيُقَالُ فُلَانٌ مُعْتَكِفٌ على حَرَامٍ أَيْ مُقِيمٌ عليه فسمى من أَقَامَ على الْعِبَادَةِ في الْمَسْجِدِ مُعْتَكِفًا وَعَاكِفًا وإذا عُرِفَ هذا فَنَقُولُ لَا يَخْرُجُ الْمُعْتَكِفُ من مُعْتَكَفِهِ في الاعتكاف الْوَاجِبِ لَيْلًا وَلَا نهارا ‏[‏ونهارا‏]‏ إلَّا لِمَا لَا بُدَّ له منه من الْغَائِطِ وَالْبَوْلِ وَحُضُورِ الْجُمُعَةِ لِأَنَّ الاعتكاف لَمَّا كان لُبْثًا وَإِقَامَةً فَالْخُرُوجُ يُضَادُّهُ وَلَا بَقَاءَ لِلشَّيْءِ مع ما يُضَادُّهُ فَكَانَ إبْطَالًا له وَإِبْطَالُ الْعِبَادَةِ حَرَامٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ‏}‏‏.‏

إلَّا انا جَوَّزْنَا له الْخُرُوجَ لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ إذْ لَا بُدَّ منها وَتَعَذَّرَ قَضَاؤُهَا في الْمَسْجِدِ فَدَعَتْ الضَّرُورَةُ إلَى الْخُرُوجِ وَلِأَنَّ في الْخُرُوجِ لِهَذِهِ الْحَاجَةِ تَحْقِيقَ هذه الْقُرْبَةِ لِأَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ الْمَرْءُ من أَدَاءِ هذه الْقُرْبَةِ إلَّا بِالْبَقَاءِ وَلَا بَقَاءَ بِدُونِ الْقُوتِ عَادَةً وَلَا بُدَّ لِذَلِكَ من الِاسْتِفْرَاغِ على ما عليه مَجْرَى الْعَادَةِ فَكَانَ الْخُرُوجُ لها من ضَرُورَاتِ الاعتكاف وَوَسَائِلِهِ وما كان من وَسَائِلِ الشَّيْءِ كان حُكْمُهُ حُكْمَ ذلك الشَّيْءِ فَكَانَ الْمُعْتَكِفُ في حَالِ خُرُوجِهِ عن الْمَسْجِدِ لِهَذِهِ الْحَاجَةِ كَأَنَّهُ في الْمَسْجِدِ وقد روى عن عَائِشَةَ رضي اللَّهُ عنها أَنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان لَا يَخْرُجُ من مُعْتَكَفِهِ لَيْلًا وَلَا نَهَارًا إلَّا لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ وَكَذَا في الْخُرُوجِ في الْجُمُعَةِ ضَرُورَةٌ لِأَنَّهَا فَرْضُ عَيْنٍ وَلَا يُمْكِنُ إقَامَتُهَا في كل مَسْجِدٍ فَيُحْتَاجُ إلَى الْخُرُوجِ إلَيْهَا كما يُحْتَاجُ إلَى الْخُرُوجِ لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ فلم يَكُنْ الْخُرُوجُ إلَيْهَا مُبْطِلًا لِاعْتِكَافِهِ وَهَذَا عِنْدَنَا وقال الشَّافِعِيُّ إذَا خَرَجَ إلَى الْجُمُعَةِ بَطَلَ اعْتِكَافُهُ‏.‏

وَجْهُ قَوْلِهِ أَنَّ الْخُرُوجَ في الْأَصْلِ مُضَادٌّ للإعتكاف وَمُنَافٍ له لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ قَرَارٌ وَإِقَامَةٌ وَالْخُرُوجُ انْتِقَالٌ وَزَوَالٌ فَكَانَ مُبْطِلًا له إلَّا فميا ‏[‏فيما‏]‏ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عنه كَحَاجَةِ الْإِنْسَانِ وكان يُمْكِنُهُ التَّحَرُّزَ عن الْخُرُوجِ إلَى الْجُمُعَةِ بِأَنْ يَعْتَكِفَ في الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ وَلَنَا أَنَّ إقَامَةَ الْجُمُعَةِ فَرْضٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ من يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ‏}‏ وَالْأَمْرُ بِالسَّعْيِ إلَى الْجُمُعَةِ أَمْرٌ بِالْخُرُوجِ من الْمُعْتَكَفِ وَلَوْ كان الْخُرُوجُ إلَى الْجُمُعَةِ مُبْطِلًا لِلِاعْتِكَافِ لَمَا أُمِرَ بِهِ لِأَنَّهُ يَكُونُ أَمْرًا بابطَالِ الاعتكاف وأنه حَرَامٌ وَلِأَنَّ الْجُمُعَةَ لَمَّا كانت فَرْضًا حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى عليه والاعتكاف قُرْبَةٌ لَيْسَتْ هِيَ عليه فَمَتَى أَوْجَبَهُ على نَفْسِهِ بِالنَّذْرِ لم يَصِحَّ نَذْرُهُ في إبْطَالِ ما هو حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى عليه بَلْ كان نَذْرُهُ عَدَمًا في إبْطَالِ هذا الْحَقِّ وَلِأَنَّ الاعتكاف دُونَ الْجُمُعَةِ فَلَا يُؤْذَنُ بِتَرْكِ الْجُمُعَةِ لِأَجْلِهِ‏.‏

وقد خَرَجَ الْجَوَابُ عن قَوْلِهِ أن الاعتكاف لُبْثٌ وَالْخُرُوجَ يُبْطِلُهُ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْخُرُوجَ إلَى الْجُمُعَةِ لَا يُبْطِلُهُ لِمَا بَيَّنَّا وَأَمَّا وَقْتُ الْخُرُوجِ إلَى الْجُمُعَةِ وَمِقْدَارُ ما يَكُونُ في الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ فذكر الْكَرْخِيُّ وقال يَنْبَغِي أَنْ يَخْرُجَ إلَى الْجُمُعَةِ عِنْدَ الْأَذَانِ فَيَكُونُ في الْمَسْجِدِ مِقْدَارَ ما يُصَلِّي قَبْلَهَا أَرْبَعًا وَبَعْدَهَا أَرْبَعًا أو سِتًّا وَرَوَى الْحَسَنُ بن زِيَادٍ عن أبي حَنِيفَةَ مِقْدَارَ ما يُصَلِّي قَبْلَهَا أَرْبَعًا وَبَعْدَهَا أَرْبَعًا وهو على الِاخْتِلَافِ في سُنَّةِ الْجُمُعَةِ بَعْدَهَا أنها أَرْبَعٌ في قَوْلِ أبي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا سِتَّةٌ على ما ذَكَرْنَا في كتاب الصَّلَاةِ

وقال مُحَمَّدٌ إذَا كان مَنْزِلُهُ بَعِيدًا يَخْرُجُ حين يَرَى أَنَّهُ يَبْلُغُ الْمَسْجِدَ عِنْدَ النِّدَاءِ وَهَذَا أَمْرٌ يَخْتَلِفُ بِقُرْبِ الْمَسْجِدِ وَبُعْدِهِ فَيَخْرُجُ في أَيِّ وَقْتٍ يَرَى أَنَّهُ يُدْرِكُ الصَّلَاةَ وَالْخُطْبَةَ وَيُصَلِّي قبل الْخُطْبَةِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ لِأَنَّ أباحة الْخُرُوجِ إلَى الْجُمُعَةِ إبَاحَةٌ لها بِتَوَابِعِهَا وَسُنَنَهَا من تَوَابِعِهَا بِمَنْزِلَةِ الْأَذْكَارِ الْمَسْنُونَةِ فيها‏.‏

وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُقِيمَ في الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ بَعْدَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ إلَّا مِقْدَارَ ما يُصَلِّي بَعْدَهَا أَرْبَعًا أو سِتًّا على الِاخْتِلَافِ وَلَوْ أَقَامَ يَوْمًا وَلَيْلَةً لَا يُنْتَقَضُ اعْتِكَافُهُ لَكِنْ يُكْرَهُ له ذلك أَمَّا عَدَمُ الِانْتِقَاضِ فَلِأَنَّ الْجَامِعَ لَمَّا صَلُحَ لِابْتِدَاءِ الاعتكاف فَلَأَنْ يَصْلُحَ لِلْبَقَاءِ أَوْلَى لِأَنَّ الْبَقَاءَ أَسْهَلُ من الِابْتِدَاءِ وَأَمَّا الْكَرَاهَةُ فَلِأَنَّهُ لَمَّا ابْتَدَأَ الاعتكاف في مَسْجِدٍ فَكَأَنَّهُ عَيَّنَهُ للإعتكاف فيه فَيُكْرَهُ له التَّحَوُّلُ عنه مع إمْكَانِ الاتمام فيه وَلَا يَخْرُجُ لِعِيَادَةِ مَرِيضٍ وَلَا لِصَلَاةِ جِنَازَةٍ لِأَنَّهُ لَا ضَرُورَةَ إلَى الْخُرُوجِ لِأَنَّ عِيَادَةَ الْمَرِيضِ لَيْسَتْ من الْفَرَائِضِ بَلْ من الْفَضَائِلِ وَصَلَاةُ الْجِنَازَةِ لَيْسَتْ بِفَرْضِ عَيْنٍ بَلْ فَرْضُ كِفَايَةٍ تَسْقُطُ عنه بِقِيَامِ الْبَاقِينَ بها فَلَا يَجُوزُ إبْطَالُ الاعتكاف لِأَجْلِهَا وما رُوِيَ عن النبي صلى الله عليه وسلم من الرُّخْصَةِ في عِيَادَةِ الْمَرِيضِ وَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ فَقَدْ قال أبو يُوسُفَ ذلك مَحْمُولٌ عِنْدَنَا على الاعتكاف الذي يَتَطَوَّعُ بِهِ من غَيْرِ إيجَابٍ فَلَهُ أَنْ يَخْرُجَ مَتَى شَاءَ وَيَجُوزُ أَنْ تُحْمَلَ الرُّخْصَةُ على ما إذَا كان خَرَجَ الْمُعْتَكِفُ لِوَجْهٍ مُبَاحٍ كَحَاجَةِ الْإِنْسَانِ أو لِلْجُمُعَةِ ثُمَّ عَادَ مَرِيضًا أو صلى على جِنَازَةٍ من غَيْرِ أَنْ كان خُرُوجُهُ لِذَلِكَ قَصْدًا وَذَلِكَ جَائِزٌ‏.‏

أَمَّا الْمَرْأَةُ إذَا اعْتَكَفَتْ في مَسْجِدِ بَيْتِهَا لَا تَخْرُجُ منه إلَى مَنْزِلِهَا إلَّا لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ لِأَنَّ ذلك في حُكْمِ الْمَسْجِدِ لها على ما بَيَّنَّا فَإِنْ خَرَجَ من الْمَسْجِدِ الذي يَعْتَكِفُ فيه لِعُذْرٍ بِأَنْ انْهَدَمَ الْمَسْجِدُ أو أَخْرَجَهُ السُّلْطَانُ مُكْرَهًا أو غَيْرُ السُّلْطَانِ فَدَخَلَ مَسْجِدًا آخَرَ غَيْرَهُ من سَاعَتِهِ لم يَفْسُدْ اعْتِكَافُهُ اسْتِحْسَانًا وَالْقِيَاسُ أَنْ يَفْسُدَ وَجْهُ الْقِيَاسِ أَنَّهُ وُجِدَ ضِدُّ الاعتكاف وهو الْخُرُوجُ الذي هو تَرْكُ الْإِقَامَةِ فَيَبْطُلُ كما لو خَرَجَ عن اخْتِيَارٍ وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّهُ خَرَجَ من غَيْرِ ضَرُورَةٍ أَمَّا عِنْدَ انْهِدَامِ الْمَسْجِدِ فَظَاهِرٌ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الاعتكاف فيه بعدما انْهَدَمَ فَكَانَ الْخُرُوجُ منه أَمْرًا لَا بُدَّ منه بِمَنْزِلَةِ الْخُرُوجِ لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ وَأَمَّا عِنْدَ الْإِكْرَاهِ فَلِأَنَّ الْإِكْرَاهَ من أَسْباب الْعُذْرِ في الْجُمْلَةِ فَكَانَ هذا الْقَدْرُ من الْخُرُوجِ مُلْحَقًا بِالْعَدَمِ كما إذَا خَرَجَ لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ وهو يَمْشِي مَشْيًا رَفِيقًا فَإِنْ خَرَجَ من الْمَسْجِدِ لِغَيْرِ عُذْرٍ فَسَدَ اعْتِكَافُهُ في قَوْلِ أبي حَنِيفَةَ وَإِنْ كان سَاعَةً وَعِنْدَ أبي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ لَا يَفْسُدُ حتى يَخْرُجَ أَكْثَرَ من نِصْفِ يَوْمٍ قال مُحَمَّدٌ قَوْلُ أبي حَنِيفَةَ أَقْيَسُ وَقَوْلُ أبي يُوسُفَ أَوْسَعُ وَجْهُ قَوْلِهِمَا إن الْخُرُوجَ الْقَلِيلَ عَفْوٌ وَإِنْ كان بِغَيْرِ عُذْرٍ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لو خَرَجَ لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ وهو يَمْشِي مُتَأَنِّيًا لم يَفْسُدْ اعْتِكَافُهُ وما دُونَ نِصْفِ الْيَوْمِ فَهُوَ قَلِيلٌ فَكَانَ عَفْوًا وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ تَرَكَ الاعتكاف بِاشْتِغَالِهِ بِضِدِّهِ من غَيْرِ ضَرُورَةٍ فَيَبْطُلُ اعْتِكَافُهُ لِفَوَاتِ الرُّكْنِ وَبُطْلَانُ الشَّيْءِ بِفَوَاتِ رُكْنِهِ يَسْتَوِي فيه الْكَثِيرُ وَالْقَلِيلُ كَالْأَكْلِ في باب الصَّوْمِ وفي الْخُرُوجِ لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ ضَرُورَةٌ وَأَحْوَالُ الناس في الْمَشْيِ مُخْتَلِفَةٌ لَا يُمْكِنُ ضَبْطُهَا فَسَقَطَ اعْتِبَارُ صِفَةِ الْمَشْيِ وَهَهُنَا لَا ضَرُورَةَ في الْخُرُوجِ‏.‏

وَعَلَى هذا الْخِلَافُ إذَا خَرَجَ لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ وَمَكَثَ بَعْدَ فَرَاغِهِ أَنَّهُ يَنْتَقِضُ اعْتِكَافُهُ عِنْدَ أبي حَنِيفَةَ قَلَّ مُكْثُهُ أو كَثُرَ وَعِنْدَهُمَا لَا يُنْتَقَضُ ما لم يَكُنْ أَكْثَرَ من نِصْفِ يَوْمٍ وَلَوْ صَعَدَ الْمِئْذَنَةَ لم يَفْسُدْ اعْتِكَافُهُ بِلَا خِلَافٍ وَإِنْ كان باب الْمِئْذَنَةِ خَارِجَ الْمَسْجِدِ لِأَنَّ الْمِئْذَنَةَ من الْمَسْجِدِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُمْنَعُ فيه كُلُّ مايمنع في الْمَسْجِدِ من الْبَوْلِ وَنَحْوِهِ وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهَا فَأَشْبَهَ زَاوِيَةً من زَوَايَا الْمَسْجِدِ وَكَذَا إذَا كان دَارُهُ بِجَنْبِ الْمَسْجِدِ فَأَخْرَجَ رَأْسَهُ إلَى دَارِهِ لَا يَفْسُدُ اعْتِكَافُهُ لِأَنَّ ذلك ليس بِخُرُوجٍ ألاترى أَنَّهُ لوحلف لَا يَخْرُجُ من الدَّارِ فَفَعَلَ ذلك لَا يَحْنَثُ في يَمِينِهِ وَرُوِيَ عن عَائِشَةَ رضي اللَّهُ عنها أنها قالت كان رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم يُخْرِجُ رَأْسَهُ من الْمَسْجِدِ فَيَغْسِلُ رَأْسَهُ وَإِنْ غَسَلَ رَأْسَهُ في الْمَسْجِدِ في إنَاءٍ لَا بَأْسَ بِهِ إذَا لم يُلَوِّثْ الْمَسْجِدَ بِالْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ فَإِنْ كان بِحَيْثُ يَتَلَوَّثُ الْمَسْجِدُ يُمْنَعُ منه لِأَنَّ تَنْظِيفَ الْمَسْجِدِ وَاجِبٌ ولو تَوَضَّأَ في الْمَسْجِدِ في إنَاءٍ فَهُوَ على هذا التَّفْصِيلِ وَأَمَّا اعْتِكَافُ التَّطَوُّعِ فَهَلْ يَفْسُدُ بِالْخُرُوجِ لِغَيْرِ عُذْرٍ كَالْخُرُوجِ لِعِيَادَةِ الْمَرِيضِ وَتَشْيِيعِ الْجِنَازَةِ فيه رِوَايَتَانِ في رِوَايَةِ الْأَصْلِ لَا يَفْسُدُ

وفي رواية‏:‏ الْحَسَنِ بن زِيَادٍ عن أبي حَنِيفَةَ يَفْسُدُ بِنَاءً على أَنَّ اعْتِكَافَ التَّطَوُّعِ غَيْرُ مُقَدَّرٍ على رِوَايَةِ الْأَصْلِ فَلَهُ أَنْ يَعْتَكِفَ سَاعَةً من نَهَارٍ أو نِصْفَ يَوْمٍ أو ما شَاءَ من قَلِيلٍ أو كَثِيرٍ أو يَخْرُجُ فَيَكُونُ مُعْتَكِفًا ما أَقَامَ تَارِكًا ما خَرَجَ وَعَلَى رِوَايَةِ الْحَسَنِ هو مُقَدَّرٌ بِيَوْمٍ كَالصَّوْمِ وَلِهَذَا قال أنه لَا يَصِحُّ بِدُونِ الصَّوْمِ كما لَا يَصِحُّ الاعتكاف الْوَاجِبُ بِدُونِ الصَّوْمِ‏.‏

وَجْهُ رِوَايَةِ الْحَسَنِ أَنَّ الشُّرُوعَ في التَّطَوُّعِ مُوجِبٌ للاتمام على أَصْلِ أَصْحَابِنَا صِيَانَةً للمؤدي عن الْبُطْلَانِ كما في صَوْمِ التَّطَوُّعِ وَصَلَاةِ التَّطَوُّعِ وَمَسَّتْ الْحَاجَةُ إلَى صِيَانَةِ الْمُؤَدَّى هَهُنَا لِأَنَّ الْقَدْرَ الْمُؤَدَّى انْعَقَدَ قُرْبَةً فَيَحْتَاجُ إلَى صيانته ‏[‏صيانة‏]‏ وَذَلِكَ بِالْمُضِيِّ فيه إلَى آخِرِ الْيَوْمِ وَجْهُ رِوَايَةِ الْأَصْلِ أَنَّ الاعتكاف لُبْثٌ وَإِقَامَةٌ فَلَا يَتَقَدَّرُ بِيَوْمٍ كَامِلٍ كَالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ وَهَذَا لِأَنَّ الْأَصْلَ في كل فِعْلٍ تَامٍّ بِنَفْسِهِ في زَمَانٍ اعْتِبَارُهُ في نَفْسِهِ من غَيْرِ أَنْ يَقِفَ اعْتِبَارُهُ على وُجُودِ غَيْرِهِ وَكُلُّ لُبْثٍ وَإِقَامَةٍ تُوجَدُ فَهُوَ فِعْلٌ تَامٌّ في نَفْسِهِ فَكَانَ اعْتِكَافًا في نَفْسِهِ فَلَا تَقِفُ صِحَّتُهُ وَاعْتِبَارُهُ على وُجُودِ أَمْثَالِهِ إلَى آخِرِ الْيَوْمِ هذا هو الْحَقِيقَةُ إلَّا إذَا جاء دَلِيلُ التَّغْيِيرِ فَتُجْعَلُ الْأَفْعَالُ الْمُتَعَدِّدَةُ الْمُتَغَايِرَةُ حَقِيقَةً مُتَّحِدَةً حُكْمًا كما في الصَّوْمِ وَمَنْ ادَّعَى التَّغْيِيرَ هَهُنَا يَحْتَاجُ إلَى الدَّلِيلِ‏.‏

وَقَوْلُهُ الشُّرُوعُ فيه مُوجِبٌ مُسَلَّمٌ لَكِنْ بِقَدْرِ ما اتَّصَلَ بِهِ الْأَدَاءُ وَلَمَّا خَرَجَ فما أَوْجَبَ إلَّا ذلك الْقَدْرَ فَلَا يَلْزَمُهُ أَكْثَرُ من ذلك وَلَوْ جَامَعَ في حَالِ الاعتكاف فَسَدَ اعْتِكَافُهُ لِأَنَّ الْجِمَاعَ من مَحْظُورَاتِ الاعتكاف لِقَوْلِهِ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ في الْمَسَاجِدِ‏}‏ قِيلَ الْمُبَاشَرَةُ كِنَايَةٌ عن الْجِمَاعِ كَذَا روى عن ابْنِ عَبَّاسٍ رضي اللَّهُ عنه أَنَّ ما ذَكَرَ اللَّهُ عز وجل في الْقُرْآنِ من الْمُبَاشَرَةِ وَالرَّفَثِ وَالْغَشَيَانِ فَإِنَّمَا عني بِهِ الْجِمَاعَ لَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى حيى كَرِيمٌ يكنى بِمَا شَاءَ دَلَّتْ الْآيَةُ على أَنَّ الْجِمَاعَ مَحْظُورٌ في الاعتكاف فإن حَظْرَ الْجِمَاعِ على الْمُعْتَكِفِ ليس لِمَكَانِ الْمَسْجِدِ بَلْ لِمَكَانِ الاعتكاف وَإِنْ كان ظَاهِرُ النَّهْيِ عن الْمُبَاشَرَةِ في حَالِ الاعتكاف في الْمَسْجِدِ بِقَوْلِهِ عز وجل‏:‏ ‏{‏وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ في الْمَسَاجِدِ‏}‏ لِأَنَّ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ‏.‏

نَزَلَتْ في قَوْمٍ كَانُوا يَعْتَكِفُونَ في الْمَسَاجِدِ وَكَانُوا يَخْرُجُونَ يَقْضُونَ حَاجَتَهُمْ في الْجِمَاعِ ثُمَّ يَغْتَسِلُونَ ثُمَّ يَرْجِعُونَ إلَى مُعْتَكَفِهِمْ لَا أَنَّهُمْ كَانُوا يُجَامِعُونَ في الْمَسَاجِدِ لِيُنْهَوْا عن ذلك بَلْ الْمَسَاجِدُ في قُلُوبِهِمْ كانت أَجَلَّ وَأَعْظَمَ من أَنْ يَجْعَلُوهَا مَكَانًا لِوَطْءِ نِسَائِهِمْ فَثَبَتَ أَنَّ النَّهْيَ عن الْمُبَاشَرَةِ في حَالِ الاعتكاف لِأَجْلِ الاعتكاف فَكَانَ الْجِمَاعُ من مَحْظُورَاتِ الاعتكاف فَيُوجِبُ فَسَادَهُ وسواء ‏[‏سواء‏]‏ جَامَعَ لَيْلًا أو نَهَارًا لِأَنَّ النَّصَّ مُطْلَقٌ فَكَانَ الْجِمَاعُ من مَحْظُورَاتِ الاعتكاف لَيْلًا وَنَهَارًا وَسَوَاءٌ كان عَامِدًا أو نَاسِيًا بِخِلَافِ الصَّوْمِ فإن جِمَاعَ النَّاسِي لَا يُفْسِدُ الصَّوْمَ وَالنِّسْيَانُ لم يُجْعَلْ عذرا ‏[‏عذر‏]‏ في باب الاعتكاف وَجُعِلَ عُذْرًا في باب الصَّوْمِ‏.‏

وَالْفَرْقُ من وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْأَصْلَ أَنْ لَا يَكُونَ عُذْرًا لِأَنَّ فِعْلَ النَّاسِي مَقْدُورُ الِامْتِنَاعِ عنه في الْجُمْلَةِ إذْ الْوُقُوعُ فيه لَا يَكُونُ إلَّا لِنَوْعِ تَقْصِيرٍ وَلِهَذَا كان النِّسْيَانُ جَابِرَ الْمُؤَاخَذَةِ عليه عِنْدَنَا وَإِنَّمَا رُفِعَتْ الْمُؤَاخَذَةُ بِبَرَكَةِ دُعَاءِ النبي صلى الله عليه وسلم بِقَوْلِهِ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إنْ نَسِينَا أو أَخْطَأْنَا وَلِهَذَا لم يُجْعَلْ عُذْرًا في باب الصَّلَاةِ إلَّا أَنَّهُ جُعِلَ عُذْرًا في باب الصَّوْمِ بِالنَّصِّ فَيُقْتَصَرُ عليه وَالثَّانِي أَنَّ الْمُحَرَّمَ في الاعتكاف عَيْنُ الْجِمَاعِ فَيَسْتَوِي فيه الْعَمْدُ وَالسَّهْوُ وَالْمُحَرَّمُ في باب الصَّوْمِ هو الْإِفْطَارُ لَا عَيْنُ الْجِمَاعِ أو حَرُمَ الْجِمَاعُ لِكَوْنِهِ إفْطَارًا لَا لِكَوْنِهِ جِمَاعًا فَكَانَتْ حُرْمَتُهُ لِغَيْرِهِ وهو الْإِفْطَارُ وَالْإِفْطَارُ يَخْتَلِفُ حُكْمُهُ بِالْعَمْدِ وَالنِّسْيَانِ وَلَوْ أَكَلَ أو شَرِبَ في النَّهَارِ عَامِدًا فَسَدَ صَوْمُهُ وَفَسَدَ اعْتِكَافُهُ لِفَسَادِ الصَّوْمِ وَلَوْ أَكَلَ نَاسِيًا لَا يَفْسُدُ اعْتِكَافُهُ لِأَنَّهُ لَا يُفْسَدُ صَوْمُهُ وَالْأَصْلُ أَنَّ ما كان من مَحْظُورَاتِ الاعتكاف وهو ما ‏[‏مانع‏]‏ منع عنه لِأَجْلِ الاعتكاف لَا لِأَجْلِ الصَّوْمِ يَخْتَلِفُ فيه الْعَمْدُ وَالسَّهْوُ وَالنَّهَارُ وَاللَّيْلُ كَالْجِمَاعِ وَالْخُرُوجِ من الْمَسْجِدِ وما كان من مَحْظُورَاتِ الصَّوْمِ وهو ما مُنِعَ عنه لِأَجْلِ الصَّوْمِ يَخْتَلِفُ فيه الْعَمْدُ وَالسَّهْوُ وَالنَّهَارُ وَاللَّيْلُ كَالْجِمَاعِ وَالْخُرُوجِ من الْمَسْجِدِ وَكَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْفِقْهُ ما بَيَّنَّا وَلَوْ بَاشَرَ فَأَنْزَلَ فَسَدَ اعْتِكَافُهُ لِأَنَّ الْمُبَاشَرَةَ مَنْصُوصٌ عليها في الْآيَةِ

وقد قِيلَ في بَعْضِ وُجُوهِ التَّأْوِيلِ إنَّ الْمُبَاشَرَةَ الْجِمَاعُ وما دُونَهُ وَلِأَنَّ الْمُبَاشَرَةَ مع الْإِنْزَالِ في مَعْنَى الْجِمَاعِ فَيُلْحَقُ بِهِ وَكَذَا لو جَامَعَ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ فَأَنْزَلَ لِمَا قُلْنَا فَإِنْ لم يُنْزِلْ لَا يَفْسُدُ اعْتِكَافُهُ لِأَنَّهُ بِدُونِ الْإِنْزَالِ لَا يَكُونُ في مَعْنَى الْجِمَاعِ لَكِنَّهُ يَكُونُ حَرَامًا وَكَذَا التَّقْبِيلُ وَالْمُعَانَقَةُ وَاللَّمْسُ إنه إنْ أَنْزَلَ في شَيْءٍ من ذلك فَسَدَ اعْتِكَافُهُ وَإِلَّا فَلَا يَفْسُدُ لَكِنَّهُ يَكُونُ حَرَامًا بِخِلَافِ الصَّوْمِ فإن في باب الصَّوْمِ لَا تَحْرُمُ الدَّوَاعِي إذَا كان يَأْمَنُ على نَفْسِهِ‏.‏ وَالْفَرْقُ على نَحْوِ ما ذَكَرْنَا أَنَّ عَيْنَ الْجِمَاعِ في باب الاعتكاف مُحَرَّمٌ وَتَحْرِيمُ الشَّيْءِ يَكُونُ تَحْرِيمًا لِدَوَاعِيهِ لِأَنَّهَا تُفْضِي إلَيْهِ فَلَوْ لم تَحْرُمْ لَأَدَّى إلَى التَّنَاقُضِ وَأَمَّا في باب الصَّوْمِ فَعَيْنُ الْجِمَاعِ ليس مُحَرَّمًا إنَّمَا الْمُحَرَّمُ هو الْإِفْطَارُ أو حَرُمَ الْجِمَاعُ لِكَوْنِهِ إفْطَارًا وَهَذَا لَا يَتَعَدَّى إلَى الدَّوَاعِي فَهُوَ الْفَرْقُ وَلَوْ نَظَرَ فَأَنْزَلَ لم يَفْسُدْ اعْتِكَافُهُ لِانْعِدَامِ الْجِمَاعِ صُورَةً وَمَعْنًى فَأَشْبَهَ الِاحْتِلَامَ وَالله الموفق‏.‏

وَلَا يَأْتِي الزَّوْجُ امْرَأَتَهُ وَهِيَ مُعْتَكِفَةٌ إذَا كانت اعْتَكَفَتْ بِإِذْنِ زَوْجِهَا لِأَنَّ اعْتِكَافَهَا إذَا كان بِإِذْنِ زَوْجِهَا فإنه لَا يَمْلِكُ الرُّجُوعَ عنه لِمَا بَيَّنَّا فِيمَا تَقَدَّمَ فَلَا يَجُوزُ وَطْؤُهَا لِمَا فيه من إفْسَادِ عِبَادَتِهَا وَيَفْسُدُ الاعتكاف بِالرِّدَّةِ لِأَنَّ الاعتكاف قُرْبَةٌ وَالْكَافِرُ ليس من أَهْلِ الْقُرْبَةِ وَلِهَذَا لم يَنْعَقِدْ مع الْكُفْرِ فَلَا يَبْقَى مع الْكُفْرِ أَيْضًا وَنَفْسُ الْإِغْمَاءِ لَا يُفْسِدُهُ بِلَا خِلَافٍ حتى لَا يَنْقَطِعَ التَّتَابُعُ وَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الاعتكاف إذَا أَفَاقَ وَإِنْ أُغْمِيَ عليه أَيَّامًا أو أَصَابَهُ لَمَمٌ فَسَدَ اعْتِكَافُهُ وَعَلَيْهِ إذَا بَرَأَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ لِأَنَّهُ لَزِمَهُ مُتَتَابِعًا وقد فَاتَتْ صِفَةُ التَّتَابُعِ فَيَلْزَمُهُ الِاسْتِقْبَالُ كما في صَوْمِ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ فَإِنْ تَطَاوَلَ الْجُنُونُ وَبَقِيَ سِنِينَ ثُمَّ أَفَاقَ هل يَجِبُ عليه أَنْ يَقْضِيَ أو يَسْقُطَ عنه فَفِيهِ رِوَايَتَانِ قِيَاسٌ وَاسْتِحْسَانٌ نَذْكُرهُمَا في مَوْضِعِهِمَا إن شاء الله تعالى‏.‏ وَلَوْ سَكِرَ لَيْلًا لَا يَفْسُدُ اعْتِكَافُهُ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَفْسُدُ وَجْهُ قَوْلِهِ إن السَّكْرَانَ كَالْمَجْنُونِ وَالْجُنُونُ يُفْسِدُ الاعتكاد ‏[‏الاعتكاف‏]‏ فَكَذَا السُّكْرُ‏.‏

وَلَنَا أَنَّ السُّكْرَ ليس إلَّا مَعْنًى له أَثَرٌ في الْعَقْلِ مُدَّةً يَسِيرَةً فَلَا يُفْسِدُ الاعتكاف وَلَا يَقْطَعُ التَّتَابُعَ كَالْإِغْمَاءِ وَلَوْ حَاضَتْ الْمَرْأَةُ في حَالِ الاعتكاف فَسَدَ اعْتِكَافِهَا لِأَنَّ الْحَيْضَ يُنَافِي أَهْلِيَّةَ الاعتكاف لِمُنَافَاتِهَا الصَّوْمَ لهذا ‏[‏ولهذا‏]‏ مُنِعَتْ من انْعِقَادِ الاعتكاف فَتُمْنَعُ من الْبَقَاءِ وَلَوْ احْتَلَمَ الْمُعْتَكِفُ لَا يَفْسُدُ اعْتِكَافُهُ لِأَنَّهُ لَا صُنْعَ له فيه فلم يَكُنْ جِمَاعًا وَلَا في مَعْنَى الْجِمَاعِ ثُمَّ إنْ أَمْكَنَهُ الِاغْتِسَالُ في الْمَسْجِدِ من غَيْرِ أَنْ يَتَلَوَّثَ الْمَسْجِدُ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَإِلَّا فيحرج ‏[‏فيخرج‏]‏ فَيَغْتَسِلَ وَيَعُودَ إلَى الْمَسْجِدِ وَلَا بَأْسَ لِلْمُعْتَكِفِ أَنْ يَبِيعَ وَيَشْتَرِيَ وَيَتَزَوَّجَ وَيُرَاجِعَ وَيَلْبَسَ وَيَتَطَيَّبَ وَيَدَّهِنَ وَيَأْكُلَ وَيَشْرَبَ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ وَيَتَحَدَّثَ ما بَدَا له بَعْدَ أَنْ لَا يَكُونَ مأثما ‏[‏صائما‏]‏ وَيَنَامَ في الْمَسْجِدِ وَالْمُرَادُ من الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ هو كَلَامُ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ من غَيْرِ نَقْلِ الْأَمْتِعَةِ إلَى الْمَسْجِدِ لِأَنَّ ذلك مَمْنُوعٌ عنه لِأَجْلِ الْمَسْجِدِ لِمَا فيه من اتِّخَاذِ الْمَسْجِدِ مَتْجَرًا لَا لِأَجْلِ الاعتكاف

وَحُكِيَ عن مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْبَيْعُ في الْمَسْجِدِ كَأَنَّهُ يُشِيرُ إلَى ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قال جَنِّبُوا مَسَاجِدَكُمْ صِبْيَانَكُمْ وَمَجَانِينَكُمْ وَبَيْعَكُمْ وَشِرَاءَكُمْ وَرَفْعَ أَصْوَاتِكُمْ وَسَلَّ سُيُوفِكُمْ‏.‏

وَلَنَا عُمُومَاتُ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ من الْكتاب الْكَرِيمِ وَالسُّنَّةِ من غَيْرِ فصل بين الْمَسْجِدِ وَغَيْرِهِ وَرُوِيَ عن عَلِيٍّ رضي اللَّهُ عنه أَنَّهُ قال لِابْنِ أَخِيهِ جَعْفَرٍ هَلَّا اشْتَرَيْت خَادِمًا قال كُنْت مُعْتَكِفًا قال وَمَاذَا عَلَيْك لو اشْتَرَيْت أَشَارَ إلَى جَوَازِ الشِّرَاءِ في الْمَسْجِدِ وَأَمَّا الْحَدِيثُ فَمَحْمُولٌ على اتِّخَاذِ الْمَسَاجِدِ مَتَاجِرَ كَالسُّوقِ يُبَاعُ فيها وَتُنْقَلُ الْأَمْتِعَةُ إلَيْهَا أو يُحْمَلُ على النَّدْبِ وَالِاسْتِحْباب تَوْفِيقًا بين الدَّلَائِلِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ وَأَمَّا النِّكَاحُ وَالرَّجْعَةُ فَلِأَنَّ نُصُوصَ النِّكَاحِ وَالرَّجْعَةِ لَا تَفصل بين الْمَسْجِدِ وَغَيْرِهِ من نَحْوِ قَوْله تَعَالَى‏:‏ ‏{‏فَانْكِحُوا ما طَابَ لَكُمْ من النِّسَاءِ‏}‏ وَنَحْوِ ذلك وقَوْله تَعَالَى‏:‏ ‏{‏فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ‏}‏ وَنَحْوِ ذلك وَكَذَا الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ وَاللِّبْسُ وَالطِّيبُ وَالنَّوْمُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏وَكُلُوا وَاشْرَبُوا‏}‏ وقَوْله تَعَالَى‏:‏ ‏{‏يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كل مَسْجِدٍ‏}‏ وقَوْله تَعَالَى‏:‏ ‏{‏قُلْ من حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ التي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ من الرِّزْقِ‏}‏ وَقَوْلِهِ عز وجل‏:‏ ‏{‏وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا‏}‏‏.‏

وقد رُوِيَ أَنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يَفْعَلُ ذلك في حَالِ اعْتِكَافِهِ في الْمَسْجِدِ مع ما إن الْأَكْلَ وَالشُّرْبَ وَالنَّوْمَ في الْمَسْجِدِ في حَالِ الاعتكاف لو مُنِعَ منه لَمُنِعَ من الاعتكاف إذْ ذلك أَمْرٌ لَا بُدَّ منه وَأَمَّا التَّكَلُّمُ بِمَا لَا مَأْثَمَ فيه فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا‏}‏ قِيلَ في بَعْضِ وُجُوهِ التَّأْوِيلِ أَيْ صِدْقًا وَصَوَابًا لَا كَذِبًا وَلَا فُحْشًا وقد رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم كان يَتَحَدَّثُ مع أَصْحَابِهِ وَنِسَائِهِ رضي اللَّهُ عَنْهُمْ وهو مُعْتَكِفٌ في الْمَسْجِدِ فَأَمَّا التَّكَلُّمُ بِمَا فيه مَأْثَمٌ فإنه لَا يَجُوزُ في غَيْرِ الْمَسْجِدِ فَفِي الْمَسْجِدِ أَوْلَى وَلَهُ أَنْ يُحْرِمَ في اعْتِكَافِهِ بِحَجٍّ أو عُمْرَةٍ وإذا فَعَلَ لَزِمَهُ الْإِحْرَامُ وَأَقَامَ في اعْتِكَافِهِ إلَى أَنْ يَفْرُغَ منه ثُمَّ يَمْضِي في إحْرَامِهِ إلَّا أَنْ يَخَافَ فَوْتَ الْحَجِّ فَيَدَعَ الاعتكاف وَيَحُجَّ ثُمَّ يَسْتَقْبِلُ الاعتكاف أَمَّا صِحَّةُ الْإِحْرَامِ في حَالِ الاعتكاف فَلِأَنَّهُ لَا تَنَافِيَ بَيْنَهُمَا أَلَا تَرَى أَنَّ الاعتكاف يَنْعَقِدُ مع الْإِحْرَامِ فَيَبْقَى معه أَيْضًا وإذا صَحَّ إحْرَامُهُ فإنه يُتِمُّ الاعتكاف ثُمَّ يَشْتَغِلُ بِأَفْعَالِ الْحَجِّ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا وَأَمَّا إذَا خَافَ فَوْتَ الْحَجِّ فإنه يَدَعُ الاعتكاف لِأَنَّ الْحَجَّ يَفُوتُ وَالاعتكاف لَا يَفُوتُ فَكَانَ الإشتغال بِاَلَّذِي يَفُوتُ أَوْلَى وَلِأَنَّ الْحَجَّ آكَدُ وَأَهَمُّ من الاعتكاف فَالِاشْتِغَالُ بِهِ أَوْلَى وإذا تَرَكَ الاعتكاف يَقْضِيهِ بَعْدَ الفرغ ‏[‏الفراغ‏]‏ من الْحَجِّ وَالله أعلم‏.‏

فصل بَيَانِ حُكْمِهِ إذَا فَسَدَ

وَأَمَّا بَيَانُ حُكْمِهِ إذَا فَسَدَ فَاَلَّذِي فَسَدَ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا وَأَعْنِي بِهِ الْمَنْذُورَ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ تَطَوُّعًا فَإِنْ كان وَاجِبًا يَقْضِي إذَا قَدَرَ على الْقَضَاءِ إلَّا الرِّدَّةُ خَاصَّةً لِأَنَّهُ إذَا فَسَدَ الْتَحَقَ بِالْعَدَمِ فَصَارَ فَائِتًا مَعْنًى فَيَحْتَاجُ إلَى الْقَضَاءِ جبر ‏[‏جبرا‏]‏ لِلْفَوَاتِ وَيَقْضِي بِالصَّوْمِ لِأَنَّهُ فَاتَهُ مع الصَّوْمِ فَيَقْضِيهِ مع الصَّوْمِ غير أَنَّ الْمَنْذُورَ بِهِ إنْ كان اعْتِكَافَ شَهْرٍ بِعَيْنِهِ يَقْضِي قَدْرَ ما فَسَدَ لَا غير وَلَا يَلْزَمُهُ الِاسْتِقْبَالُ كَالصَّوْمِ الْمَنْذُورِ بِهِ في شَهْرٍ بِعَيْنِهِ إذَا أَفْطَرَ يَوْمًا أَنَّهُ يَقْضِي ذلك الْيَوْمَ وَلَا يَلْزَمُهُ الإستئناف كما في صَوْمِ رَمَضَانَ لِمَا ذَكَرْنَا في كتاب الصَّوْمِ وإذا كان اعْتِكَافَ شَهْرٍ بِغَيْرِ عَيْنِهِ يَلْزَمُهُ الِاسْتِقْبَالُ لأن يَلْزَمُهُ مُتَتَابِعًا فيراعى فيه صِفَةَ التَّتَابُعِ وَسَوَاءٌ فَسَدَ بِصُنْعِهِ من غَيْرِ عُذْرٍ كَالْخُرُوجِ وَالْجِمَاعِ وَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ في النَّهَارِ إلَّا الرِّدَّةُ أو فَسَدَ بِصُنْعِهِ لِعُذْرٍ كما إذَا مَرِضَ فَاحْتَاجَ إلَى الْخُرُوجِ فَخَرَجَ أو بِغَيْرِ صُنْعِهِ رَأْسًا كَالْحَيْضِ وَالْجُنُونِ وَالْإِغْمَاءِ الطَّوِيلِ لِأَنَّ الْقَضَاءَ يَجِبُ جَبْرًا لِلْفَائِتِ وَالْحَاجَةُ إلَى الْجَبْرِ مُتَحَقِّقَةٌ في الْأَحْوَالِ كُلِّهَا إلَّا أَنَّ سُقُوطَ الْقَضَاءِ في الرِّدَّةِ عُرِفَ بِالنَّصِّ وهو قَوْله تَعَالَى‏:‏ ‏{‏قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لهم ما قد سَلَفَ‏}‏ وَقَوْلُ النبي صلى الله عليه وسلم الْإِسْلَامُ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ‏.‏ وَالْقِيَاسُ في الْجُنُونِ الطَّوِيلِ أَنْ يُسْقِطَ الْقَضَاءَ كما في صَوْمِ رَمَضَانَ إلَّا أَنَّ في الِاسْتِحْسَانِ يَقْضِي لِأَنَّ سُقُوطَ الْقَضَاءِ في صَوْمِ رَمَضَانَ إنَّمَا كان لِدَفْعِ الْحَرَجِ لِأَنَّ الْجُنُونَ إذَا طَالَ قَلَّمَا يَزُولُ فَيَتَكَرَّرُ عليه صَوْمُ رَمَضَانَ فيخرج ‏[‏فيحرج‏]‏ في قَضَائِهِ وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يَتَحَقَّقُ في الاعتكاف وَأَمَّا اعْتِكَافُ التَّطَوُّعِ إذَا قَطَعَهُ قبل تَمَامِ الْيَوْمِ فَلَا شَيْءَ عليه في رِوَايَةِ الْأَصْلِ وفي رواية‏:‏ الْحَسَنِ يَقْضِي بِنَاءً على أَنَّ اعْتِكَافَ التَّطَوُّعِ غَيْرُ مُعْتَدٍّ في رِوَايَةِ مُحَمَّدٍ عن أبي حَنِيفَةَ وفي رواية‏:‏ الْحَسَنِ عنه مُقَدَّرٌ بِيَوْمٍ وقد ذَكَرْنَا الْوَجْهَ لِلرِّوَايَتَيْنِ فِيمَا تَقَدَّمَ وَأَمَّا حُكْمُهُ إذَا فَاتَ عن وَقْتِهِ الْمُعَيَّنِ له بِأَنْ نَذْرَ اعْتِكَافَ شَهْرٍ بِعَيْنِهِ إنه إذَا فَاتَ بَعْضُهُ قَضَاهُ لَا غَيْرُ وَلَا يَلْزَمُهُ الِاسْتِقْبَالُ كما في الصَّوْمِ وَإِنْ فَاتَهُ كُلُّهُ قَضَى الْكُلَّ مُتَتَابِعًا لِأَنَّهُ لَمَّا لم يَعْتَكِفْ حتى مَضَى الْوَقْتُ صَارَ الاعتكاف دَيْنًا في ذِمَّتِهِ فَصَارَ كَأَنَّهُ أَنْشَأَ النَّذْرَ بِاعْتِكَافِ شَهْرٍ بِعَيْنِهِ فَإِنْ قَدَرَ على قَضَائِهِ فلم يَقْضِهِ حتى أَيِسَ من حَيَاتِهِ يَجِبُ عليه أَنْ يوصى بِالْفِدْيَةِ لِكُلِّ يَوْمٍ طَعَامُ مِسْكِينٍ لِأَجْلِ الصَّوْمِ لَا لِأَجْلِ الاعتكاف كما في قَضَاءِ رَمَضَانَ وَالصَّوْمِ الْمَنْذُورِ في وَقْتٍ بِعَيْنِهِ وَإِنْ قَدَرَ على الْبَعْضِ دُونَ الْبَعْضِ فلم يَعْتَكِفْ فَكَذَلِكَ إنْ كان صَحِيحًا وَقْتَ النَّذْرِ فَإِنْ كان مَرِيضًا وَقْتَ النَّذْرِ فَذَهَبَ الْوَقْتُ وهو مَرِيضٌ حتى مَاتَ فَلَا شَيْءَ عليه وَإِنْ صَحَّ يَوْمًا فَهُوَ على الإختلاف الذي ذَكَرْنَاهُ في الصَّوْمِ الْمَنْذُورِ في وَقْتٍ بِعَيْنِهِ‏.‏

وإذا نَذَرَ اعْتِكَافَ شَهْرٍ بِغَيْرِ تعينه ‏[‏عينه‏]‏ فَجَمِيعُ الْعُمُرِ وَقْتُهُ كما في النَّذْرِ بِالصَّوْمِ في وَقْتٍ بِغَيْرِ تعينه ‏[‏عينه‏]‏ وفي أَيِّ وَقْتٍ أَدَّى كان مُؤَدِّيًا لَا قَاضِيًا لِأَنَّ الْإِيجَابَ حَصَلَ مُطْلَقًا عن الْوَقْتِ وَإِنَّمَا يتضيق ‏[‏يقتضى‏]‏ عليه الْوُجُوبَ إذَا أَيِسَ من حَيَاتِهِ وَعِنْدَ ذلك يَجِبُ عليه أَنْ يُوصِيَ بِالْفِدْيَةِ كما في قَضَاءِ رَمَضَانَ وَالصَّوْمِ الْمَنْذُورِ الْمُطْلَقِ فَإِنْ لم يُوصِ حتى مَاتَ سَقَطَ عنه في أَحْكَامِ الدُّنْيَا عِنْدَنَا حتى لَا تُؤْخَذُ من تَرِكَتِهِ وَلَا يَجِبُ على الْوَرَثَةِ الْفِدْيَةُ إلَّا أَنْ يَتَبَرَّعُوا بِهِ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا تَسْقُطُ وَتُؤْخَذُ من تَرِكَتِهِ وَتُعْتَبَرُ من جَمِيعِ الْمَالِ وَالْمَسْأَلَةُ مَضَتْ في كتاب الزَّكَاةِ وَالله الموفق‏.‏

كتاب الْحَجِّ

الْكتاب يَشْتَمِلُ على فصليْنِ فصل في الْحَجِّ وَفصل في الْعُمْرَةِ أَمَّا فصل الْحَجِّ فَالْكَلَامُ فيه يَقَعُ في مَوَاضِعَ في بَيَانِ فَرْضِيَّةِ الْحَجِّ وفي بَيَانِ كَيْفِيَّةِ فَرْضِهِ وفي بَيَانِ شَرَائِطِ الْفَرْضِيَّةِ وفي بَيَانِ أَرْكَانِ الْحَجِّ وفي بَيَانِ وَاجِبَاتِهِ وفي بَيَانِ سُنَنِهِ وفي بَيَانِ التَّرْتِيبِ في أَفْعَالِهِ من الْفَرَائِضِ وَالْوَاجِبَاتِ وَالسُّنَنِ وفي بَيَانِ شَرَائِطِ أَرْكَانِهِ وفي بَيَانِ ما يُفْسِدُهُ وَبَيَانِ حُكْمِهِ إذَا فَسَدَ وفي بَيَانِ ما يُفَوِّتُ الْحَجَّ بَعْدَ الشُّرُوعِ فيه وفي بَيَانِ حُكْمِهِ إذَا فَاتَ عن عُمْرِهِ أَصْلًا وَرَأْسًا أَمَّا الْأَوَّلُ فَالْحَجُّ فَرِيضَةٌ ثَبَتَتْ فَرْضِيَّتُهُ بِالْكتاب وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ وَالْمَعْقُولِ أَمَّا الْكتاب فَقَوْلَهُ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏وَلِلَّهِ على الناس حِجُّ الْبَيْتِ من اسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا‏}‏ في الْآيَةِ دَلِيلُ وُجُوبِ الْحَجِّ من وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ قال‏:‏ ‏{‏وَلِلَّهِ على الناس حِجُّ الْبَيْتِ‏}‏ وَعَلَى كَلِمَةُ إيجَابٍ وَالثَّانِي أَنَّهُ قال تَعَالَى‏:‏ ‏{‏وَمَنْ كَفَرَ‏}‏ قِيلَ في التَّأْوِيلِ وَمَنْ كَفَرَ بِوُجُوبِ الْحَجِّ حتى روى عن ابْنِ عَبَّاسٍ رضي اللَّهُ عنه أَنَّهُ قال أَيْ وَمَنْ كَفَرَ بِالْحَجِّ فلم يَرَ حَجَّهُ بِرًّا وَلَا تَرْكَهُ مَأْثَمًا وقَوْله تَعَالَى لِإِبْرَاهِيمَ عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ‏:‏ ‏{‏وَأَذِّنْ في الناس بِالْحَجِّ‏}‏ أَيْ اُدْعُ الناس وَنَادِهِمْ إلَى حَجِّ الْبَيْتِ وَقِيلَ أَيْ اعلم الناس أَنَّ اللَّهَ فَرَضَ عليهم الْحَجَّ دَلِيلُهُ قَوْله تَعَالَى‏:‏ ‏{‏يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كل ضَامِرٍ‏}‏‏.‏

وَأَمَّا السُّنَّةُ فَقَوْلُهُ صلى اللَّهُ عليه وسلم بُنِيَ الْإِسْلَامُ على خَمْسٍ شَهَادَةِ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَصَوْمِ رَمَضَانَ وَحَجِّ الْبَيْتِ من اسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا وَقَوْلُهُ صلى اللَّهُ عليه وسلم اُعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَصَلُّوا خَمْسَكُمْ وَصُومُوا شَهْرَكُمْ وَحُجُّوا بَيْتَ رَبِّكُمْ وَأَدُّوا زَكَاةَ أَمْوَالِكُمْ طَيِّبَةً بها أَنْفُسُكُمْ تَدْخُلُوا جَنَّةَ رَبِّكُمْ وَرُوِيَ عنه عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ قال من مَاتَ ولم يَحُجَّ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ من غَيْرِ أَنْ يَمْنَعَهُ سُلْطَانٌ جَائِرٌ أو مَرَضٌ حَابِسٌ أو عَدُوٌّ ظَاهِرٌ فَلْيَمُتْ إنْ شَاءَ يَهُودِيًّا وَإِنْ شَاءَ نَصْرَانِيًّا أو مَجُوسِيًّا

وروى أَنَّهُ قال من مَلَكَ زَادًا وَرَاحِلَةً تُبَلِّغُهُ إلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ فلم يَحُجَّ فَلَا عليه أَنْ يَمُوتَ يَهُودِيًّا أو نَصْرَانِيًّا‏.‏

وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فَلِأَنَّ الْأُمَّةَ أَجْمَعَتْ على فَرْضِيَّتِهِ وَأَمَّا الْمَعْقُولُ فَهُوَ أَنَّ الْعِبَادَاتِ وَجَبَتْ لِحَقِّ الْعُبُودِيَّةِ أو لِحَقِّ شُكْرِ النِّعْمَةِ إذْ كُلُّ ذلك لَازِمٌ في العقول ‏[‏المعقول‏]‏ وفي الْحَجِّ إظْهَارُ الْعُبُودِيَّةِ وَشُكْرُ النِّعْمَةِ أَمَّا إظْهَارُ الْعُبُودِيَّةِ فَلِأَنَّ إظْهَارَ الْعُبُودِيَّةِ هو إظْهَارُ التَّذَلُّلِ لِلْمَعْبُودِ وفي الْحَجِّ ذلك لِأَنَّ الْحَاجَّ في حَالِ إحْرَامِهِ يُظْهِرُ الشَّعَثَ وَيَرْفُضُ أَسْباب التَّزَيُّنِ وَالِارْتِفَاقِ وَيَتَصَوَّرُ بِصُورَةِ عَبْدٍ سَخِطَ عليه مَوْلَاهُ فَيَتَعَرَّضُ بِسُوءِ حَالِهِ لِعَطْفِ مَوْلَاهُ وَمَرْحَمَتِهِ إيَّاهُ وفي حَالِ وُقُوفِهِ بِعَرَفَةَ بِمَنْزِلَةِ عَبْدٍ عَصَى مَوْلَاهُ فَوَقَفَ بين يَدَيْهِ مُتَضَرِّعًا حَامِدًا له مُثْنِيًا عليه مُسْتَغْفِرًا لِزَلَّاتِهِ مُسْتَقِيلًا لِعَثَرَاتِهِ وَبِالطَّوَافِ حَوْلَ الْبَيْتِ يُلَازِمُ الْمَكَانَ الْمَنْسُوبَ إلَى رَبِّهِ بِمَنْزِلَةِ عَبْدٍ مُعْتَكِفٍ على باب مَوْلَاهُ لَائِذٍ بِجَنَابِهِ

وَأَمَّا شُكْرُ النِّعْمَةِ فَلِأَنَّ الْعِبَادَاتِ بَعْضُهَا بَدَنِيَّةٌ وَبَعْضُهَا مَالِيَّةٌ وَالْحَجُّ عِبَادَةٌ لَا تَقُومُ إلَّا بِالْبَدَنِ وَالْمَالِ وَلِهَذَا لَا يَجِبُ إلَّا عِنْدَ وُجُودِ الْمَالِ وَصِحَّةِ الْبَدَنِ فَكَانَ فيه شُكْرُ النِّعْمَتَيْنِ وَشُكْرُ النِّعْمَةِ ليس إلَّا اسْتِعْمَالُهَا في طَاعَةِ الْمُنْعِمِ وَشُكْرُ النِّعْمَةِ وَاجِبٌ عَقْلًا وَشَرْعًا وَالله أعلم‏.‏

فصل كَيْفِيَّةِ فَرْضِهِ

وَأَمَّا كَيْفِيَّةُ فَرْضِهِ فَمِنْهَا أَنَّهُ فَرْضُ عَيْنٍ لَا فَرْضُ كِفَايَةٍ فَيَجِبُ على كل من اسْتَجْمَعَ شَرَائِطَ الْوُجُوبِ عَيْنًا لَا يَسْقُطُ بِإِقَامَةِ الْبَعْضِ عن الْبَاقِينَ بِخِلَافِ الْجِهَادِ فإنه فَرْضُ كِفَايَةٍ إذَا قام بِهِ الْبَعْضُ سَقَطَ عن الْبَاقِينَ لِأَنَّ الْإِيجَابَ تَنَاوَلَ كُلَّ وَاحِدٍ من آحَادِ الناس عَيْنًا وَالْأَصْلُ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَخْرُجُ عن عُهْدَةِ ما عليه إلَّا بِأَدَائِهِ بِنَفْسِهِ إلَّا إذَا حَصَلَ الْمَقْصُودُ منه بِأَدَاءِ غَيْرِهِ كَالْجِهَادِ وَنَحْوِهِ وَذَلِكَ لَا يَتَحَقَّقُ في الْحَجِّ وَمِنْهَا أَنَّهُ لَا يَجِبُ في الْعُمْرِ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً بِخِلَافِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالزَّكَاةِ فإن الصَّلَاةَ تَجِبُ في كل يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ وَالزَّكَاةَ وَالصَّوْمَ يَجِبَانِ في كل سَنَةٍ مَرَّةً وَاحِدَةً لِأَنَّ الْأَمْرَ الْمُطْلَقَ بِالْفِعْلِ لَا يَقْتَضِي التَّكْرَارَ لِمَا عُرِفَ في أُصُولِ الْفِقْهِ وَالتَّكْرَارُ في باب الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ ثَبَتَ بِدَلِيلٍ زَائِدٍ لَا بِمُطْلَقِ الْأَمْرِ وَلِمَا رُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ الْحَجِّ سَأَلَ الْأَقْرَعُ بن حَابِسٍ رضي اللَّهُ عنه رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم فقال يا رَسُولَ اللَّهِ الْحَجُّ في كل عَامٍ أو مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ فقال عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ وفي رواية‏:‏ قال لَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ الْحَجِّ أَلِعَامِنَا هذا يا رَسُولَ اللَّهِ أَمْ لِلْأَبَدِ فقال لِلْأَبَدِ وَلِأَنَّهُ عِبَادَةٌ لَا تَتَأَدَّى إلَّا بِكُلْفَةٍ عَظِيمَةٍ وَمَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ بِخِلَافِ سَائِرِ الْعِبَادَاتِ فَلَوْ وَجَبَ في كل عَامٍ لَأَدَّى إلَى الْحَرَجِ وَأَنَّهُ منفى شَرْعًا وَلِأَنَّهُ إذَا لم يُمْكِنْ أَدَاؤُهُ إلَّا بِحَرَجٍ لَا يُؤَدَّى فَيَلْحَقُ الْمَأْثَمُ وَالْعِقَابُ إلَى هذا أَشَارَ النبي صلى الله عليه وسلم لَمَّا سَأَلَهُ الْأَقْرَعُ بن حَابِسٍ وقال أَلِعَامِنَا هذا أَمْ لِلْأَبَدِ فقال عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِلْأَبَدِ وَلَوْ قلت في كل عَامٍ لَوَجَبَ وَلَوْ وَجَبَ ثُمَّ تَرَكْتُمْ لَضَلَلْتُمْ‏.‏

وَاخْتُلِفَ في وُجُوبِهِ على الْفَوْرِ وَالتَّرَاخِي ذَكَرَ الْكَرْخِيُّ أَنَّهُ على الْفَوْرِ حتى يَأْثَمَ بِالتَّأْخِيرِ عن أَوَّلِ أَوْقَاتِ الْإِمْكَانِ وَهِيَ السَّنَةُ الْأُولَى عِنْدَ اسْتِجْمَاعِ شَرَائِطِ الْوُجُوبِ وَذَكَرَ أبو سَهْلٍ الزَّجَّاجِيُّ الْخِلَافَ في الْمَسْأَلَةِ بين أبي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ فقال في قَوْلِ أبي يُوسُفَ يَجِبُ على الْفَوْرِ وفي قَوْلِ مُحَمَّدٍ على التَّرَاخِي وهو قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وروى عن أبي حَنِيفَةَ مِثْلُ قَوْلِ أبي يُوسُفَ وَرُوِيَ عنه مِثْلُ قَوْلِ مُحَمَّدٍ وَجْهُ قَوْلِ مُحَمَّدٍ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَرَضَ الْحَجَّ في وَقْتٍ مُطْلَقًا لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى‏:‏ ‏{‏وَلِلَّهِ على الناس حِجُّ الْبَيْتِ من اسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا‏}‏ مطلقا ‏[‏مطلق‏]‏ عن الْوَقْتِ ثُمَّ بَيَّنَ وَقْتَ الْحَجِّ بِقَوْلِهِ عز وجل‏:‏ ‏{‏الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ‏}‏ أَيْ وَقْتُ الْحَجِّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَصَارَ الْمَفْرُوضُ هو الْحَجُّ في أَشْهُرِ الْحَجِّ مُطْلَقًا من الْعُمْرِ فَتَقْيِيدُهُ بِالْفَوْرِ تقييدا ‏[‏تقييد‏]‏ لمطلق ‏[‏المطلق‏]‏ وَلَا يَجُوزُ إلَّا بِدَلِيلٍ وروى أَنَّ فَتْحَ مَكَّةَ كان لِسَنَةِ ثَمَانٍ من الْهِجْرَةِ وَحَجَّ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم في سَنَةِ الْعَشْرِ وَلَوْ كان وُجُوبُهُ على الْفَوْرِ لَمَا احْتَمَلَ التَّأْخِيرَ منه وَالدَّلِيلُ عليه أَنَّهُ لو أَدَّى في السَّنَةِ الثَّانِيَةِ أو الثَّالِثَةِ يَكُونُ مُؤَدِّيًا لَا قَاضِيًا وَلَوْ كان وَاجِبًا على الْفَوْرِ وقد فَاتَ الْفَوْرُ فَقَدْ فَاتَ وَقْتُهُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ قَاضِيًا لَا مُؤَدِّيًا كما لو فَاتَتْ صَلَاةُ الظُّهْرِ عن وَقْتِهَا وَصَوْمُ رَمَضَانَ عن وَقْتِهِ‏.‏

وَلَهُمَا أَنَّ الْأَمْرَ بِالْحَجِّ في وَقْتِهِ مُطْلَقٌ يَحْتَمِلُ الْفَوْرَ وَيَحْتَمِلُ التَّرَاخِيَ وَالْحَمْلُ على الْفَوْرِ أَحْوَطُ لِأَنَّهُ إذَا حُمِلَ عليه يَأْتِي بِالْفِعْلِ على الْفَوْرِ ظَاهِرًا وَغَالِبًا خَوْفًا من الْإِثْمِ بِالتَّأْخِيرِ فَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الْفَوْرُ فَقَدْ أتى بِمَا أُمِرَ بِهِ فَأَمِنَ الضَّرَرَ وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ التَّرَاخِي لَا يَضُرُّهُ الْفِعْلُ على الْفَوْرِ بَلْ يَنْفَعُهُ لِمُسَارَعَتِهِ إلَى الْخَيْرِ وَلَوْ حُمِلَ على التَّرَاخِي رُبَّمَا لَا يَأْتِي بِهِ على الْفَوْرِ بَلْ يُؤَخَّرُ إلَى السَّنَةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ فَتَلْحَقُهُ الْمَضَرَّةُ إنَّ أُرِيدَ بِهِ الْفَوْرُ وَإِنْ كان لَا يَلْحَقُهُ إنْ أُرِيدَ بِهِ التَّرَاخِي فَكَانَ الْحَمْلُ على الْفَوْرِ حَمْلًا على أَحْوَطِ الْوَجْهَيْنِ فَكَانَ أَوْلَى وَهَذَا قَوْلُ إمَامِ الْهُدَى الشَّيْخِ أبي مَنْصُورٍ الْمَاتُرِيدِيِّ في كل أَمْرٍ مُطْلَقٍ عن الْوَقْتِ أَنَّهُ يُحْمَلُ على الْفَوْرِ لَكِنْ عَمَلًا لَا اعْتِقَادًا على طَرِيقِ التَّعْيِينِ أَنَّ الْمُرَادَ منه الْفَوْرُ أو التَّرَاخِي بَلْ يُعْتَقَدُ أَنَّ ما أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ من الْفَوْرِ وَالتَّرَاخِي فَهُوَ حَقٌّ وَرَوَيْنَا عن النبي صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قال من مَلَكَ زَادًا وَرَاحِلَةً تُبَلِّغُهُ إلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ فلم يَحُجَّ فَلَا عليه أَنْ يَمُوتَ يَهُودِيًّا أو نَصْرَانِيًّا أَلْحَقَ الْوَعِيدَ بِمَنْ أَخَّرَ الْحَجَّ عن أَوَّلِ أَوْقَاتِ الْإِمْكَانِ لِأَنَّهُ قال من مَلَكَ كَذَا فلم يَحُجَّ وَالْفَاءُ لِلتَّعْقِيبِ بِلَا فصل أَيْ لم يَحُجَّ عَقِيبَ مِلْكِ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ بِلَا فصل وَأَمَّا طَرِيقُ عَامَّةِ الْمَشَايِخِ فإن لِلْحَجِّ وَقْتًا مُعَيَّنًا من السَّنَةِ يَفُوتُ عن تِلْكَ السَّنَةِ بِفَوَاتِ ذلك الْوَقْتِ فَلَوْ أَخَّرَهُ عن السَّنَةِ الْأُولَى وقد يَعِيشُ إلَى السَّنَةِ الثَّانِيَةِ وقد لَا يَعِيشُ فَكَانَ التَّأْخِيرُ عن السَّنَةِ الْأُولَى تَفْوِيتًا له لِلْحَالِ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الْأَدَاءُ لِلْحَالِ إلَى أَنْ يَجِيءَ وَقْتُ الْحَجِّ من السَّنَةِ الثَّانِيَةِ وفي إدْرَاكِهِ السَّنَةَ الثَّانِيَةَ شَكٌّ فَلَا يَرْتَفِعُ الْفَوَاتُ الثَّابِتُ لِلْحَالِ بِالشَّكِّ وَالتَّفْوِيتُ حَرَامٌ‏.‏

وَأَمَّا قَوْلُهُ إنَّ الْوُجُوبَ في الْوَقْتِ ثَبَتَ مُطْلَقًا عن الْفَوْرِ فَمُسَلَّمٌ لَكِنَّ الْمُطْلَقَ يَحْتَمِلُ الْفَوْرَ وَيَحْتَمِلُ التَّرَاخِيَ وَالْحَمْلُ على الْفَوْرِ أَوْلَى لِمَا بَيَّنَّا وَيَجُوزُ تَقْيِيدُ الْمُطْلَقِ عِنْدَ قِيَامِ الدَّلِيلِ وَأَمَّا تَأْخِيرُ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم الْحَجَّ عن أَوَّلِ أَوْقَاتِ الْإِمْكَانِ فَقَدْ قِيلَ أنه كان لِعُذْرٍ له وَلَا كَلَامَ في حَالِ الْعُذْرِ يَدُلُّ على أَنَّهُ لَا خِلَافَ في أَنَّ التَّعْجِيلَ أَفْضَلُ وَالرَّسُولُ صلى اللَّهُ عليه وسلم لَا يَتْرُكُ الْأَفْضَلَ إلَّا لِعُذْرٍ على أَنَّ الْمَانِعَ من التَّأْخِيرِ هو احْتِمَالُ الْفَوَاتِ ولم يَكُنْ في تَأْخِيرِهِ ذلك فَوَاتٌ لِعِلْمِهِ من طَرِيقِ الْوَحْيِ أَنَّهُ يَحُجُّ قبل مَوْتِهِ قال اللَّهُ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏لقد صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إنْ شَاءَ اللَّهُ آمَنِينَ‏}‏ وَالثُّنْيَا لِلتَّيَمُّنِ وَالتَّبَرُّكِ أو لِمَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَاطَبَ الْجَمَاعَةَ وقد عَلِمَ أَنَّ بَعْضَهُمْ يَمُوتُ قبل الدُّخُولِ وَأَمَّا قَوْلُهُ لو أَدَّى في السَّنَةِ الثَّانِيَةِ كان مُؤَدِّيًا لَا قَاضِيًا فَإِنَّمَا كان كَذَلِكَ لِأَنَّ أَثَرَ الْوُجُوبِ على الْفَوْرِ عَمَلًا في احْتِمَالِ الْإِثْمِ بِالتَّأْخِيرِ عن أَوَّلِ الْوَقْتِ في الْإِمْكَانِ لَا في إخْرَاجِ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ من أَنْ يَكُونَ وَقْتًا لِلْوَاجِبِ كما في باب الصَّلَاةِ وَهَذَا لِأَنَّ وُجُوبَ التَّعْجِيلِ إنَّمَا كان تَحَرُّزًا عن الْفَوَاتِ فإذا عَاشَ إلَى السَّنَةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ فَقَدْ زَالَ احْتِمَالُ الْفَوَاتِ فَحَصَلَ الْأَدَاءُ في وَقْتِهِ كما في باب الصَّلَاةِ وَالله تعالى أعلم‏.‏